في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، لم يكن رنين هاتف قادم من راولبندي حدثًا عابرًا. ليلة الأحد 22 مارس 2026، أجرى المشير عاصم منير اتصالًا مباشرًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التصعيد مع إيران.
وبعد ساعات، كشفت فايننشال تايمز تفاصيل هذا الاتصال، معتبرة أن باكستان برزت كوسيط رئيسي في محاولة احتواء المواجهة المتصاعدة.
تزامن ذلك مع إعلان مفاجئ من ترامب عبر منصة Truth Social، قضى بتأجيل الضربات العسكرية ضد منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام.
القرار، الذي أكدته وسائل إعلام دولية كـ سي إن إن وبلومبرغ، فتح نافذة ضيقة أمام المسار الدبلوماسي، وأدى فورًا إلى تراجع أسعار النفط وانتعاش الأسواق العالمية.
غير أن طهران سارعت إلى نفي أي مفاوضات مباشرة، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي عدم حصول أي حوار مع واشنطن، رغم إقراره بوصول رسائل عبر ”دول صديقة“.
وهذا التعبير، تحديدًا، أعاد تسليط الضوء على دور الوسطاء، وفي مقدمتهم باكستان، التي وصفتها فايننشال تايمز بـ”الوسيط الأساسي”، في وقت تراجع فيه نشاط وسطاء تقليديين مثل عمان وقطر.
لا يأتي الدور الباكستاني من فراغ، بل يستند إلى شبكة علاقات معقدة. فمن جهة، تحتفظ إسلام آباد بقنوات اتصال فعالة مع واشنطن، بل وتمثل المصالح الإيرانية فيها منذ انقطاع العلاقات بين البلدين عام 1979.
ومن جهة أخرى، ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، فضلًا عن شراكة استراتيجية متنامية مع الرياض. وهذا التوازن يتجسد أيضًا في التحرك السياسي الذي يقوده شهباز شريف، حيث أجرى اتصالات مباشرة مع مسعود بزشكيان، مؤكدًا أن بلاده لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في أي عمل عدائي ضد إيران.
وقد أسهم هذا الموقف في تعزيز صورة باكستان كطرف محايد، قادر على لعب دور ”الضامن“ في أي مسار تفاوضي محتمل.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الدور عن العلاقة الشخصية التي نشأت بين عاصم منير وترامب، خاصة بعد اللقاء الاستثنائي في البيت الأبيض عام 2025، والذي اعتُبر سابقة في العلاقات الثنائية. هذه القناة المباشرة منحت باكستان نفوذًا إضافيًا، مكّنها من التحرك بسرعة في لحظة الأزمة.
لكن هذا الدور لا يخلو من المخاطر. فباكستان تجد نفسها في قلب معادلة معقدة: التزام دفاعي مع السعودية، وحدود جغرافية حساسة مع إيران تمتد لنحو 900 كيلومتر، واعتماد اقتصادي كبير على تحويلات العمالة في الخليج.
في الداخل، تتصاعد التوترات الطائفية على خلفية الأزمة، ما يضيف ضغطًا إضافيًا على صانع القرار. أما خارجيًا، فقد دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة، مع تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة، وهو ما دفع الوكالة الدولية للطاقة إلى التحذير من أزمة قد تتجاوز في حدتها صدمات النفط التاريخية.
وسط هذه التعقيدات، تبدو مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها ترامب فرصة نادرة، لكنها هشة. فالتصريحات الإيرانية المتشددة، واستمرار الضربات في المنطقة، ومواقف دول الخليج المتصاعدة، كلها عوامل تهدد بإغلاق هذه النافذة سريعًا.
ومع ذلك، يظل الاتصال الذي انطلق من راولبندي مؤشرًا على أن قنوات التواصل لم تُغلق بالكامل. فباكستان، بما تمتلكه من قدرة فريدة على الوصول إلى أطراف النزاع، تحاول أن تلعب دورًا يتجاوز حجمها التقليدي، في واحدة من أخطر أزمات المنطقة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح إسلام آباد في تحويل هذا الدور إلى اختراق دبلوماسي حقيقي، أم أن الضغوط المتزايدة ستدفعها إلى أحد طرفي الصراع؟ والإجابة قد لا تتأخر طويلًا. فالأيام القليلة المقبلة وحدها ستحدد ما إذا كان ذلك الاتصال مجرد تفصيل عابر، أم لحظة مفصلية في مسار الأزمة الدولية.
