مناظرة على طاولة الشرع بين إسلام آباد وكابل

Spread the love

كلمة التحرير

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها السياسة بالأمن ويتداخل فيها الخطاب الديني مع حسابات الدولة برزت دعوة مجلس علماء باكستان إلى مناظرة شرعية علنية مع ممثلين عن الحكومة الأفغانية المؤقتة بوصفها مبادرة تتجاوز حدود السجال الإعلامي إلى ساحة الاحتكام للنصوص والأدلة.


هذه الدعوة التي حمل لواءها الشيخ الحافظ محمد طاهر محمود أشرفي لا تُطرح باعتبارها مناورة خطابية بل باعتبارها محاولة لنقل الخلاف من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى منبر علمي يقوم على القرآن والسنة ويحتكم إلى أصول الفقه وقواعده.


المجلس يرى أن الجدل القائم حول شرعية الهجمات التي تستهدف باكستان انطلاقاً من الأراضي الأفغانية لا يمكن حسمه عبر البيانات السياسية وحدها بل يحتاج إلى مواجهة علمية صريحة تُعرض فيها الأدلة ويُسمع فيها الرأي والرأي الآخر أمام الأمة.


ومن هنا فإن الدعوة إلى تسمية علماء من الجانب الأفغاني ومن حركة طالبان للمشاركة في مناظرة مفتوحة تعكس رغبة معلنة في الشفافية وإلقاء الحجة على الملأ بعيداً عن الضجيج الإعلامي والاستقطاب الحاد.


في المقابل فإن هذه الخطوة تضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية لأن تحويل الخلاف السياسي إلى نقاش فقهي علني يعني أن المواقف ستُوزن بميزان الشرع لا بميزان المصالح وحدها وأن كل طرف سيكون مطالباً بتقديم مستنده الشرعي بوضوح ودون مواربة.


كما أن المبادرة تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة توظيف الدين في سياقات الصراع دون مرجعية علمية جامعة وهو ما يجعل من أي مناظرة محتملة اختباراً لصدقية الخطاب الديني لدى الأطراف كافة.


إن المنطقة التي أنهكتها سنوات من العنف والاتهامات المتبادلة تحتاج إلى مسارات جديدة لخفض التوتر وبناء الثقة وقد تكون المناظرة الشرعية إن قُدّر لها أن تتم خطوة في اتجاه إعادة تعريف الخلاف ضمن أطر معرفية وأخلاقية واضحة. غير أن نجاحها يظل رهناً بقبول الطرف الآخر وبالاستعداد الحقيقي لتحويل الحوار إلى وسيلة لتجنيب الشعوب مزيداً من الدماء لا إلى ساحة جديدة لتكريس الانقسام.


وبين الدعوة والتلبية يبقى السؤال الأهم هل يستطيع الفقه أن يكون جسراً للتهدئة أم سيظل جزءاً من معادلة الصراع. الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة لكن المؤكد أن طرح القضية على طاولة المناظرة العلنية أعاد فتح نقاش عميق حول العلاقة بين الشرعية الدينية والمسؤولية السياسية في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة.

Please follow and like us:
Pin Share

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

RSS
Follow by Email