(29 – 31 أغسطس 2025م):
باكستان والصين… قراءة في زيارة شهباز شريف إلى بكين وتيانجين بين الاقتصاد والسياسة والأمن: مرحلة جديدة في الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني.
من 29 إلى 31 أغسطس 2025م، شدّ رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الرحال إلى الصين في زيارة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية عميقة، وتكشف عن حرص البلدين على تعزيز ما يُعرف بـ “الشراكة الإستراتيجية الشاملة والتعاون الأبدي“. الزيارة لم تقتصر على المشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بمدينة تيان جين، بل امتدت إلى العاصمة بكين، حيث حضر مراسم الذكرى الثمانين للنصر على الفاشية، في مشهد جسّد الطابع الرمزي للعلاقة الممتدة بين إسلام آباد وبكين..
القمة في تيان جين – باكستان في قلب منظمة إقليمية مؤثرة
مشاركة شهباز شريف في قمة منظمة شنغهاي للتعاون جاءت لتؤكد أن باكستان ترى نفسها جزءاً من التوازنات الجديدة في آسيا. فقد شدّد رئيس الوزراء في خطابه على السلام الإقليمي، التعاون الاقتصادي العابر للحدود، ومجابهة التحديات المناخية والإنسانية. وهذه الرسائل لم تكن مجرد شعارات دبلوماسية، بل محاولة لطمأنة شركاء إسلام آباد، وخاصة بكين وموسكو، بأن باكستان مستعدة للعب دور “جسر استراتيجي” بين وسط وجنوب آسيا.
لقاءات القمة: شراكة تتجدد بلغة الأرقام والمشاريع
على هامش القمة، التقى شهباز شريف بالرئيس شي جين بينغ ورئيس الوزراء لي تشيانغ. النقاشات تركزت على تطوير الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني ، حيث أُعلن رسمياً عن انطلاق المرحلة الثانية للمشروع. هذه المرحلة لا تتوقف عند مشاريع البنية التحتية والطاقة التي ميّزت المرحلة الأولى، بل تتوسع لتشمل:
- الصناعة والمناطق الاقتصادية الخاصة، بهدف جذب استثمارات مباشرة ونقل التكنولوجيا.
- التعاون الزراعي والتعديني، بما يضمن الأمن الغذائي ويفتح الباب أمام استغلال الثروات الطبيعية الباكستانية.
- البحث العلمي والتكنولوجيا، عبر ربط الجامعات والمراكز البحثية في البلدين.
بهذا التحول، يضع CPEC-II أساساً لنموذج تنموي جديد، يتجاوز فكرة “المشاريع الممولة بالقروض” إلى شراكة إنتاجية طويلة الأمد.
بكين: الاقتصاد مع السياسة والرمزية العسكرية
في بكين، حضر شهباز شريف مؤتمر الاستثمار الباكستاني–الصيني، حيث التقى رجال أعمال وممثلين عن الشركات الصينية الكبرى. وقدّم عرضاً حول “باكستان الجديدة” التي تفتح أبوابها للاستثمار في ظل سياسات أكثر مرونة وحوافز ضريبية. إلى جانب ذلك، كان لحضور رئيس الوزراء الباكستاني في العرض العسكري لإحياء ذكرى النصر على الفاشية دلالات سياسية عميقة؛ إذ حرصت بكين على إظهار باكستان كأحد حلفائها الإستراتيجيين في لحظة تشهد فيها الساحة الدولية اصطفافات جديدة..
البُعد الإنساني والتعليمي – الاستثمار في الإنسان
لم تغب عن الزيارة الأبعاد الثقافية والتعليمية؛ ففي جامعة تيانجين التقى شهباز شريف بالطلبة الباكستانيين، مشيداً بدورهم كسفراء للمعرفة. الرسالة كانت واضحة:”العلاقة مع الصين ليست محصورة في مشاريع إسمنتية أو طرق سريعة، بل هي أيضاً علاقة في مجال بناء الإنسان ونقل الخبرات العلمية والتكنولوجية.
لماذا كانت الزيارة مهمة؟
- توقيت حساس: جاءت الزيارة في ظل أزمات إقليمية متصاعدة، ما يجعل التنسيق الباكستاني–الصيني رسالة طمأنة متبادلة..
- الاقتصاد في الصدارة: إعلان يشير إلى دخول العلاقة الثنائية طوراً جديداً، يركز على الاستثمار المشترك بدل الاعتماد على القروض..
- الأمن والسيادة: باكستان أعادت التأكيد على حماية المشاريع الصينية والعاملين فيها، وهو شرط أساسي لاستمرار التدفق الاستثماري..
- الرمزية الإستراتيجية: مشاركة شهباز في العرض العسكري الصيني ترسل إشارة للغرب بأن إسلام آباد لا تنوي التفريط بتحالفها الشرقي..
- بناء الصورة الإيجابية: عبر مؤتمر الاستثمار وخطاب الجامعة، حاول رئيس الوزراء رسم صورة لباكستان كدولة مستقرة وواعدة للمستثمرين..
إن الزيارة الحالية لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى الصين لم تكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل محطة فاصلة في تاريخ العلاقات بين البلدين. فمن منظمة شنغهاي إلى انطلاق CPEC-II، ومن قاعات الجامعات إلى منصات العروض العسكرية، حملت الزيارة رسائل متعددة منها:
- للباكستانيين: هناك مستقبل اقتصادي يعتمد على شراكة صناعية وزراعية مع الصين..
- للصينيين: باكستان ما زالت الحليف الموثوق في منطقة مضطربة..
- للعالم: أن “الطريق إلى آسيا” يمر عبر إسلام آباد وبكين معاً..



