الفيضانات المأساوية في باكستان

Spread the love

قائد الجيش يتفقد منكوبي فيضانات البنجاب ويؤكد التزام الجيش بخدمة الشعب

في صباح الأربعاء، 27 أغسطس 2025م، قام قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير بزيارة تفقدية إلى المناطق المنكوبة في إقليم البنجاب، بعد أن اجتاحت الفيضانات العارمة القرى والبلدات، مخلّفةً دمارًا واسعًا ونزوحًا إنسانيًا غير مسبوق منذ عقود. لقد وقف القائد الأعلى للجيش بين الأهالي المتضررين، يستمع إلى معاناتهم، ويشدّ على أيديهم، مؤكدًا أنّ القوات المسلحة ستبقى في مقدمة الصفوف لخدمة الشعب حتى تعود الحياة إلى طبيعتها.. وشدّد المشير منير على أن عمليات الإغاثة ستستمر بلا انقطاع، موجهًا الوحدات الهندسية إلى الإسراع في فتح الطرق والجسور التي جرفتها السيول، وضمان وصول المساعدات الغذائية والطبية إلى القرى المعزولة، .ولم تقتصر رسالته على البعد الميداني، بل امتدت إلى الرمزية الروحية، إذ تعهّد بترميم كارتاربور دربار صاحب، أحد أقدس المواقع لدى السيخ، بعد أن غمرته المياه، معتبرًا أن حماية المقدسات مسؤولية أخلاقية ووطنية في آن واحد.

بين الأرقام والواقع

تشير التقارير إلى أنّ الفيضانات تسببت في نزوح ما بين 150 ألفًا إلى 300 ألف شخص، وأودت بحياة أكثر من 820 مواطنًا منذ نهاية يونيو، بينما تأثرت نحو 1,400 قرية وأكثر من 1.2 مليون إنسان. وهذه الأرقام تعكس حجم المأساة، لكنّها في الوقت نفسه تكشف عن تحدٍ مركب: أزمة بيئية مرتبطة بالتغير المناخي، وتوترات جيوسياسية بسبب التصريف المفاجئ للمياه من السدود الهندية، إلى جانب هشاشة البنية التحتية وضعف الاستعداد المحلي.

التحليـــل

البعد الإنساني: زيارة قائد الجيش الباكستاني لمناطق الفيضانات لم تقتصر على طابعها الرسمي، بل حملت رسالة إنسانية واضحة مفادها أن المؤسسة العسكرية ليست قوة سلاح فحسب، وإنما هي أيضًا قوة مسؤولية اجتماعية ووطنية. فقد جاءت في لحظة عصيبة يحتاج فيها المتضررون إلى من يقف بجانبهم ويشاركهم المعاناة، لا إلى من يراقبهم من بعيد..

البعد السياسي: على الصعيد السياسي، اكتسبت الزيارة أهمية مضاعفة في ظل الانتقادات الموجهة إلى الحكومة المدنية بشأن بطء استجابتها للأزمة. وفي هذا السياق، برز الجيش كفاعل رئيسي في إدارة الكوارث، مما عزّز صورته في الوعي الشعبي باعتباره ضامنًا للاستقرار وقادرًا على التحرك السريع في الميدان..

البعد الرمزي: أما البعد الرمزي، فقد تجلى في تعهّد القائد بترميم موقع كارتربور المقدس الذي غمرته الفيضانات، وهي خطوة تمثل رسالة مزدوجة للداخل والخارج: التزام الدولة بحماية المقدسات الدينية، وصون حقوق الأقليات، بما يعزز مكانة باكستان الدولية كبلد يحترم التعددية الدينية..

البعد الاستراتيجي: من الناحية الاستراتيجية، كشفت الكارثة عن ثغرات خطيرة في نظام إدارة الكوارث الطبيعية، وهو ما يفرض على الدولة تبني خطط طويلة المدى لمواجهة التحديات البيئية والتكيّف مع آثار تغيّر المناخ. وتبرز هنا الحاجة إلى تكامل الجهود بين المؤسسات المدنية والعسكرية، لوضع رؤية شاملة تتجاوز حدود الاستجابة الطارئة إلى التخطيط الوقائي.. .

إن زيارة المشير عاصم منير لمناطق الفيضانات لم تكن مجرد خطوة تفقدية روتينية، بل كانت مسرحًا حيًا لالتقاء البعد الإنساني بالبعد العسكري، وتجسيدًا لفكرة أن الجيش هو جزء من النسيج المجتمعي في السراء والضراء. ففي لحظة يطغى فيها الألم على الوجوه، حملت الزيارة رسالة أمل وصمود، لتعيد رسم صورة الجيش كشريك في الكفاح اليومي للشعب، لا كسلطة منفصلة عنه.. لم تكن أمطار هذا الموسم في باكستان كسابقتها؛ إذ نزل الغيث على الأرض فإذا به يتحوّل إلى نقمة، سيول عارمة جرفت في طريقها البيوت والأحلام، وتركت خلفها بلداً مثخناً بالجراح. في لحظات معدودة، غدت آلاف العائلات بلا مأوى، تتقاذفها الأمواج الطينية، فيما تتساقط جدران البيوت كأنها أوراق هشّة في مهب الريح..

في خيبر بختونخوا وبلوشستان والسند، تتكرر المشاهد الموجعة: جثث تستخرج من تحت الركام، أطفال يلهثون بين الجموع بحثاً عن أمهاتهم، وفلاحون يحدقون في حقول غمرتها المياه وقد التهمت محاصيلهم في ومضة قاسية. أمّا البنجاب، فقد تلقى الضربة الأشد، إذ فُتحت السدود الهندية دفعة واحدة لتطلق سيولاً جارفة اجتاحت الأرض والإنسان معاً. انهارت القرى والمدن، وغرقت الطرق والمدارس والمستشفيات، فبدا المشهد أشبه بزلزال مائي دمّر كل ما يربط الناس بسبل الحياة.. أعلنت الحكومة حالة الطوارئ، وأُرسلت فرق الجيش والدفاع المدني لإنقاذ ما تبقّى، غير أنّ الكارثة كانت أوسع من أن يحدها جهد أو تحاصرها إمكانيات. مع مرور الساعات، اتضح أن آلاف الأسر تقضي لياليها في العراء، بلا غذاء أو دواء أو ماء نقي، فيما يزداد صراخ الأطفال ووجع النساء تحت سماء مثقلة بالغيوم.

مئات الآلاف من المزارعين – ومعظمهم من صغار المزارعين – اضطروا للنزوح، بعدما جرفت السيول محاصيلهم الغذائية وغيرها من المزروعات. ومن المتوقع أن تبتلع المياه الهائجة المزيد من الأراضي الزراعية وهي تتدفق جنوباً لتلتقي بنهر السند في الأيام القادمة. وقد بدأت ملامح أزمة اقتصادية كبرى تلوح في الأفق، إلى جانب كارثة إنسانية متنامية. ورغم أنّ الوقت ما زال مبكراً لتقدير كامل حجم الخسائر في المحاصيل والماشية، فإن التقارير الأولية تشير إلى أنّ خسائر المزارعين قد بلغت بالفعل مليارات الروبيات.

لقد اجتاحت السيول محاصيل الأرز والذرة وغيرها من المزروعات، بالإضافة إلى الخضروات، في أكثر من (2100) قرية تقع على ضفاف أنهار سُتْلُج وراوي وتْشِناب. ومن المتوقع أن تُلحق هذه المياه المتدفقة أضراراً إضافية بالأراضي الزراعية في الأقاليم الجنوبية من البنجاب، حيث تُزرع محاصيل القطن، قبل أن تنحدر إلى إقليم السند.

ستثقل هذه الخسائر الزراعية كاهل الاقتصاد والسكان على حد سواء؛ إذ إنّ تدمير المحاصيل وتعطيل سلاسل الإمداد الغذائي مهّد الطريق لارتفاع متسارع في أسعار الغذاء. وتذكرنا فيضانات عام 2022 بمرارة التجربة، حيث ارتفعت أسعار الغذاء شهراً بعد شهر. غير أنّ أثر الكارثة يتجاوز مجرد تضخم أسعار الغذاء.

فبالنسبة لعدد كبير من المزارعين المتضررين – ومعظمهم من صغار الملاك – جاءت الكارثة شاملة: محاصيلهم وماشيتهم وبيوتهم ومصادر رزقهم جميعاً جرفتها السيول. ومع انعدام أي وسيلة للعيش – فضلاً عن الاستثمار في الموسم المقبل – يُرجّح أن ينحدر مزيد من الناس إلى ما دون خط الفقر. كما أنّ ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية سيؤثر بشكل غير متناسب على الأسر ذات الدخل المنخفض في الأرياف والمدن. وعلى المدى الأبعد، فإن التكاليف الاقتصادية ستكون هائلة؛ إذ ستُحسّ الخسائر الزراعية في مختلف القطاعات، وستؤدي إلى تراجع مبيعات السيارات والأسمدة. والأكثر إثارة للقلق هو تأثير هذه الكارثة على ميزان المدفوعات الهش أصلاً، حيث ستؤدي الفيضانات على الأرجح إلى ارتفاع فاتورة الواردات بسبب النقص المحلي في المواد الغذائية، فيما قد تتضرر الصادرات نتيجة تراجع إنتاج الأرز والقطن.

وعلى العموم، فإن الأضرار التي لحقت بالإنتاج الزراعي ستُبقي نمو الناتج المحلي الإجمالي عند مستويات متدنية. فالقطاع الزراعي، الذي يشكّل نحو ربع الاقتصاد ويوظّف ما يقرب من 40٪ من القوى العاملة، لم ينمُ في العام الماضي إلا بنسبة ضئيلة بلغت 0.56٪، وهو أدنى معدل خلال عقد كامل، مقارنةً بمتوسط قدره 3.38٪ خلال السنوات الخمس السابقة. لقد تعرّضت باكستان لما يقرب من 20 كارثة فيضانية كبرى منذ عام 1950م، نصفها في العقدين الأخيرين وحدهما.

إنّ تغيّر المناخ يزيد من وتيرة هذه الكوارث وحدّتها، فيما يبقى مستوى الاستعداد الوطني غير كافٍ. والدرس الواضح من هذه الكارثة الحالية أنّ الفيضانات لم تعد أحداثاً طارئة عابرة، بل صدمات اقتصادية متكررة تُضعف النمو الاقتصادي، وتوسع العجز، وتجرف سبل العيش، وتدفع بالملايين إلى أعماق الفقر. وما لم تُجرَ إصلاحات جذرية في منظومة الاستعداد للكوارث، ويُستثمر في تعزيز صمود القطاع الزراعي، فإن كل فيضان جديد سيغرق القرى، ويدمّر سبل العيش، ويقوّض النمو الاقتصادي.

Please follow and like us:
Pin Share

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

RSS
Follow by Email