كلمة التحرير
يبدو أن التاريخ يصرّ على إعادة مشاهده، وكأن دروس الأمس الثقيلة لم تترك أثرًا في وعي الحاضر. فمنذ أن أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية عام 1973 أن واشنطن ستواصل تسليح إسرائيل ”حتى تشعر بأنها مكتفية“، مرور نصف قرن لم يغيّر الكثير؛ فالمشهد في الشرق الأوسط يعيد تكرار نفسه بعناد، ويكاد يتطابق مع ما كان عليه قبل خمسين عامًا. واليوم، تبدو التوقعات أقرب من أي وقت مضى إلى احتمال تنفيذ هجوم بري واسع على غزة، في محاولة لإضعاف الفصيل المسلح المسيطر على القطاع أو القضاء عليه.
غير أن هذا الخيار العسكري، بكل ما يحمله من حسابات، يفتح الباب أمام كلفة باهظة قد يصعب على الأطراف، بل على العالم بأسره، تحمّلها. فالقتال داخل المدن المكتظة، ذات الأبنية الخرسانية المتلاصقة والأنفاق المتشابكة، ليس مجرد عملية عسكرية سريعة، بل معركة مرهقة وبطيئة، تُخاض من غرفة إلى أخرى ومن نفق إلى آخر. إن التقدم وسط الركام، والانهيارات، والكمائن، يعني سقوط خسائر بشرية كبيرة، ويجعل كل خطوة محفوفة بمخاطر لا حصر لها.

لقد عمل الجناح المقاوم في غزة خلال السنوات الماضية على إنشاء منظومة دفاعية معقدة، تتضمن شبكة واسعة من الأنفاق تمتد لمئات الأميال، وتشكل تحديًا هائلًا لأي قوة مهاجمة. وعلى الرغم من التفوق الجوي والتكنولوجي الذي يمتلكه الاحتلال، فإن حرب الأنفاق تظل معركة تعتمد في جوهرها على الجندي الذي يزحف في الظلام، مجهزًا بأجهزة الرؤية الليلية والكلاب المدربة والعتاد الخاص. فهي حرب قاسية، بطيئة، مكلفة، ولا يمكن للحلول الروبوتية أو التقنية أن تحلّ محل البشر فيها بالكامل.
وفي المقابل، تعتمد القوة العسكرية التي تدير الشأن الداخلي في القطاع على وحدات صغيرة مترابطة، تعمل بمرونة عالية وتستفيد من معرفتها الدقيقة بالتضاريس، مدعومة بتكتيكات إعلامية ونفسية متقنة. وقد أثبتت قدرتها على خوض حرب شبكات، تعيق تقدم القوات المعادية، وتنفذ هجمات مباغتة، وتستعيد مواقع فقدتها في مواجهة سريعة التغيّر.
ولا يمكن إغفال خطر توسع دائرة الصراع. فدخول الاحتلال بريًا قد يشجّع أطرافًا إقليمية—من الشمال والشرق—على استغلال اللحظة والانخراط في المواجهة، ما يحوّل الحرب إلى صراع متعدد الجبهات. وقد يجد الاحتلال نفسه مضطرًا لتنفيذ ضربات استباقية خارج غزة قبل التوغل فيها، في خطوات تحمل مخاطر سياسية وعسكرية جسيمة وقد تفتح أبوابًا غير محسوبة.
أما المأساة الإنسانية، فهي الوجه الأكثر قسوة في هذا المشهد. التدمير الواسع، سقوط المدنيين، وتشريد مئات الآلاف ستُقرأ عالميًا باعتبارها محاولة لفرض واقع ديموغرافي بالقوة، ما سيضاعف تآكل الموقف الأخلاقي للاحتلال ويقوّض ما تبقى من مسار السلام في الشرق الأوسط.
إن أي هجوم بري على غزة لا يعدّ قرارًا عسكريًا فحسب، بل مغامرة استراتيجية وسياسية وإنسانية تُدخل المنطقة في مرحلة طويلة من عدم اليقين. ولعلّ أعظم ما يكشفه هذا المشهد أن العالم ما زال يدور في الحلقة ذاتها من تاريخ لم يتعلم منه بعد.
