
بقلم: د. ولي خان المظفّر
شهد العالم الإسلامي مؤخراً إطلاق رابطة العالم الإسلامي منصّتها الرقمية الرائدة “المِنهاج”، في خطوة تُعيد تشكيل الحضور الإسلامي في الفضاء المعرفي الحديث، وتقدّم نموذجاً عالمياً لمواجهة التطرف وتعزيز منهج الوسطية عبر أدوات التكنولوجيا ورحابة الفكر الشرعي المؤسسي.
جاء الإعلان من مكة المكرمة، حيث اجتمع كبار العلماء والمجامع الشرعية وهيئات الفتوى من مختلف أقطار العالم، ليقدّموا إجازة علمية جماعية لمنصّة تُوصف بأنها “أول مرجعيّة شرعية رقمية موثوقة” تُعنى بتصحيح المفاهيم، وتقديم الإسلام كما نزل: عدلاً ورحمة وهدى للعالمين.
منصّة “المِنهاج” ليست مجرّد تطبيق أو مكتبة إلكترونية؛ بل مشروع معرفي متكامل يربط بين الاجتهاد الجماعي والمحتوى الرقمي الرفيع، ويجعل من الشفافية والانفتاح منهجاً، ومن خدمة الإنسان هدفاً. فهي تجمع الفتوى الموثقة، والدروس التعليمية، والردود العلمية على الشبهات، ومحتوى تربوياً دعوياً متعدد اللغات، موجّهاً للمجتمعات المسلمة في الشرق والغرب على السواء.
وتمثّل هذه الخطوة نقلة نوعية في مسار مواجهة الفكر المتطرف، حيث تنتقل المؤسسات الإسلامية الكبرى—وفي مقدمتها رابطة العالم الإسلامي—من دورها التقليدي في الوعظ والخطاب إلى فضاء تكنولوجي قادر على الوصول إلى شباب العالم بثوانٍ معدودة، وبخطاب رشيد يجمع بين أصالة النص وبصيرة العصر.
إن إدراك العالم الإسلامي لحاجة الأمة إلى منصة جامعة تُقلّل اختلاف المناهج وتشتت الفتاوى، وتجمع العلماء تحت مظلة واحدة، هو إدراك عميق لأزمة العصر: أزمة ضجيج معرفي وتفلّت رقمي يسهل فيه انتشار الشبهات والآراء غير المنضبطة. وهنا تأتي “المِنهاج” لتقدّم مرجعية مؤسسية تليق بمرحلة العولمة، وتحفظ للمسلمين هويتهم ووعيهم، دون أن تنفصل عن روح العصر ومتطلباته.
إنني أرى أن “المِنهاج” ليست مبادرة إعلامية، بل عنوان مرحلة جديدة، حيث تتقدم المؤسسات الإسلامية بخطى واثقة نحو رقمنة الوعي الديني، وتقديم الإسلام الوسطي في ثوبه الأصيل، بعيداً عن المبالغات، وبعيداً كذلك عن التمييع والتفريط.
ومن زاوية تربوية ودعوية، تفتح المنصّة أبواباً واسعة أمام الجامعات والمعاهد والمراكز الإسلامية في العالم، لتبني مناهجها على مرجعيات موثوقة، وتستفيد من محتواها في صناعة جيل متوازن، مُتقن للمعرفة، مُحصَّن من الغلو، ومتصالح مع العصر.
إن “المِنهاج” ليست حدثاً عابراً؛ بل مشروع وعي سيظل أثره ممتداً على واقع العالم الإسلامي لعقود قادمة، خصوصاً إذا تضافرت الجهود العلمية والتربوية والإعلامية للاستفادة منها، وجعلها جزءاً من المعمار الفكري للأمة.
ومهما قيل في قيمة هذه المبادرة، يبقى الزمن كفيلاً بإثبات أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وأن مواجهة التطرف لا تكون بالخطابات المنفعلة، بل بصناعة وعي راسخ يجمع بين المعرفة الشرعية والانفتاح الرقمي، كما تقدمها اليوم رابطة العالم الإسلامي في هذه المنصّة الواعدة.
