د.الشيخ ولي خان المظفر
في زمنٍ تموج فيه الساحات الإسلامية بالأحداث والكوارث والحروب، وتتعالى فيه الأصوات المتنافرة المتناطحة، يبرز اسم العلامة الشيخ طاهر محمود الأشرفي بوصفه واحدًا من أكثر الشخصيات الباكستانية قدرةً على الجمع بين منطق الدولة وروح الدعوة، وبين مقتضيات السياسة وثوابت الشريعة. شخصيةٌ نجحت ـ بعلمها واعتدالها وحضورها الدولي ـ في أن تكون جسرًا بين العواصم، وصوتًا مسموعًا في المحافل، ويدًا ممتدة نحو المدارس والمجامع الإسلامية على اختلاف مشاربها.وخاصةً مايبذله من خدمات عظيمة لتقريب وجهات النظر عالمياًّ بين باكستان والمملكة العربية السعودية الشقيقة وعلى رأسها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود.
لقد جمع الأشرفي بين تكوينٍ شرعي راسخ، وتجربةٍ عملية ميدانية في لجان الإفتاء والمجامع الفقهية والحوارات العابرة للحدود وبقنوات تلفزيونية. بهذه الخلفية المزدوجة استطاع أن يقدّم خطابًا دينيًا متوازنًا، يواجه الغلوّ والتطرف بالحجة والبيان، ويُعرّف العالم جميعاً بصورة الإسلام الهادئ المتصالح مع نفسه، المتفاعل مع محيطه، الحاضر في قضايا الإنسانية دون ضجيج أو مزايدة.
وفي مجال التقريب بين الدول الإسلامية، أدّى الشيخ الأشرفي دورًا محوريًا بوصفه مستشارًا ومبعوثًا ووجهًا معروفًا في الساحة الإقليمية. فمدّ جسورًا بين إسلام آباد والرياض وأبو ظبي والقاهرة وأنقرة وودمشق وكابل، وساهم في تبريد كثير من الملفات، وتخفيف الاحتقانات التي كادت تُفتح لها أبواب جديدة من التأزّم. وقد كان لحضوره في المؤتمرات العالمية، ولقاءاته مع القيادات الفكرية والسياسية، أثرٌ بيّن في تعزيز خطاب المصالحة والتلاقي، وإبراز صورة باكستان كدولةٍ مسؤولة تحمل مشروعًا جامعًا للإسلام المعتدل.
أما في المسالك الإسلامية، فقد برز بدوره الجامع بين المدارس: الديوبندية والبریلوية وأهل الحديث، فاحتضن الأصوات، وقرّب المواقف، وفتح أبواب الحوار بدلًا من مسالك الإقصاء. وبجهوده تشكّلت بيئة متوددة، وتقدّم بخطاب “وحدة الأمة” ليصبح واقعًا في الندوات والمناهج والحوارات بين العلماء والشباب.
إن تجربة الشيخ طاهر الأشرفي ليست مجرد نشاط دعوي أو دور رسمي، بل هي محاولة جادة لإعادة تشكيل المزاج الإسلامي العام على قاعدة الوسطية، وإعادة العلاقات بين الدول الإسلامية إلى منطق التعاون لا التنافس، وإعادة الثقة بين المدارس الفكرية المختلفة إلى دائرة الأخوّة لا الخصومة.
وحين نتأمل هذه المسيرة، ندرك أن الرجل قدّم نموذجًا يمكن البناء عليه: عالمٌ يتحرّك بلغة العصر وبعربية جهورية دون أن يتخفّف من أصالة العلم، ورجل دولةٍ يتكلم بلسان الشريعة دون أن يسقط في الانعزال عن الواقع. هذه الثنائية النادرة هي التي جعلته مؤثّرًا في الداخل والخارج، مسموعًا في الشرق والغرب، ومعتبَرًا في الحوارات الدولية التي تبحث عن كلمةٍ تضامنية تفاهمية جامعةٍ بعيدًا عن ضوضاء الأزمات.
ويبقى السؤال: هل ستتسع الساحة الإسلامية لنماذج أخرى تحمل هذا النفس التقريبي الهادئ؟
الأمل كبير… وأمثال الشيخ طاهر الأشرفي يؤكدون أن الطريق، وإن بدا طويلاً، ليس مسدودًا، وأن لغة الاعتدال لا تزال قادرة على الوصول إلى القلوب قبل العقول.
