قرار مجلس الأمن حول غزة ومسارات السلطة الدولية

Spread the love

في مساءٍ بارد من تشرين الثاني 2025م، اجتمع مجلس الأمن الدولي في صيغة تشي بتاريخ مفصليّ لمنطقة غزة، حيث اعتمد القرار الأمريكي الذي يدعم خطة الرئيس دونالد ترامب للسلام في القطاع. التصويت كان حاسمًا: 13 صوتًا مؤيدًا، في حين امتنعت روسيا والصين عن استخدام حق النقض. القرار، بكلماته الدبلوماسية المتأنية، يرسم بداية مرحلة انتقالية معقدة، تحاول فيها الأمم المتحدة وأطراف دولية فرض استقرار وسط ركام النزاع، لكن الطريق إلى ذلك يظل محفوفًا بشكوك كبيرة ومخاطر كبرى.


بنود القــرار:

الخطة المعتمدة من مجلس الأمن تضم نحو 20 نقطة، أبرزها:
• إنشاء قوة استقرار دولية للعمل في غزة، بدعم من إسرائيل ومصر، وبمشاركة شرطة فلسطينية مدربة حديثًا.
• تأسيس مجلس للسلام (Board of Peace) كهيئة انتقالية، من المقرر أن يستمر تفويضه حتى نهاية عام 2027، مع إمكانية التمديد إذا لزم الأمر.
• إشارات مستقبلية إلى احتمال قيام مسار نحو دولة فلسطينية، لكن الصياغة تظل مشروطة بإصلاحات فلسطينية، وإعادة إعمار غزة، وتحقيق تقدم ملموس.
من وجهة نظر القائمين على الخطة، هذه الخطوة تحمِل في طيّاتها أمل إعادة بناء غزة بعد سنوات من الصراع، وتأمين توفير المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين. كما تُنظر إلى أن القوة الجديدة (ISF) يمكن أن تساهم في نزع السلاح من المجموعات المسلحة، وإنهاء فوضى ما بعد الحرب.

ردود الفعل الدولية: بين الترحيب والتحذير

رد الفعل على القرار كان متباينًا، ويعكس مزيجًا من الأمل والحذر:
• العالم العربي والإسلامي: رحّب عدد من الدول بالخطة باعتبارها “خطوة نحو وقف إطلاق النار والاستقرار”، لكن التحفظات ظلت واضحة حول مدى احترام السيادة الفلسطينية ومشاركة السلطة الوطنية في المستقبل.
• مصر: عبرت القاهرة عن تفاؤلها بإمكانية تنفيذ الخطة، مؤكّدة أنها ستعمل مع الولايات المتحدة ودول عربية وأوروبية لوقف دائم لإطلاق النار وإعادة إعمار غزة.
• روسيا والصين: امتنعتا عن التصويت، مشيرتين إلى أن الخطة تفتقر إلى مشاركة فلسطينية حقيقية، وأن هيئة الاستقرار والسلطة الانتقالية قد تضعف من دور الأمم المتحدة والشرعية الفلسطينية.
• الاتحاد الأوروبي: بعض الدول الأوروبية أبدت دعمًا خجولًا للخطة أو لإعادة الإعمار، مع تساؤلات حول ما إذا كانت ترتكز على مبدأ ”احتواء غزة“ أكثر من تمكينها من تقرير مصيرها.

الرافضون من داخل فلسطين: هشاشة الشرعية

من داخل قطاع غزة وفصائله، جاءت أصوات الرفض حادة:
حماس: أدانت الخطة بوصفها “وصاية دولية” تفرض آليات مراقبة دولية على غزة، ورفضت فكرة نزع السلاح والهيمنة الخارجية، معتبرة أن أي قوة تفرض تسليم السلاح ستكون طرفًا في الصراع، وليس وسيطًا محايدًا.
الفصائل الأخرى: بعض المراقبين يرون أن هذا القرار قد يفتح الباب أمام تشكيل “سلطة فلسطينية موازية” أو تقسيم سياسي بين غزة والضفة، مما يزيد من الانقسام الداخلي.

هل هو استقرار أم وصاية؟

من الناحية التحليلية، القرار يحمل في طياته تناقضًا واضحًا:
• من جهة، يمثل هذا القرار نصرًا دبلوماسيًا للولايات المتحدة، التي نجحت في تمرير رؤيتها للسلام بعد جولات طويلة من التفاوض. ترامب نفسه وصف التصويت بأنه لحظة تاريخية.
• من جهة أخرى، هناك خشية من أن يكون الترتيب الانتقالي مجرد غطاء لهيمنة دولية على غزة، في ظل مشاركة مجلس سلام بقيادة أمريكية وانتشار قوات دولية قد تحصل على صلاحيات واسعة.
• الشروط المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية في المستقبل موضوعة بطريقة غامضة جداً: هي ”ربما“ تحدث إذا توفرت ”إصلاحات“ وإعادة إعمار، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى صدقية المسار نحو سيادة فلسطينية حقيقية.
• من الناحية القانونية، البعض يصف القرار بأنه يحتوي على ”ثغرات قانونية“ قد تمنح القادة الدوليين نفوذا كبيرًا داخل غزة، وهو ما تحذّر منه بعض المحلّلين العرب.

التبعات المحتملة على الأرض

إذا ما تم تنفيذ الخطة على أرض الواقع:

مسار دولة فلسطينية مشروط وغير واضح: إذا تحقق، فقد يكون نقطة تحول تاريخية، لكن إن فشل، قد يعيد إنتاج مأزق سياسي جديد.
وفي خضم ركام الحرب والدمار، يبعث هذا القرار برسالة معينة: نعم، يمكن للعالم أن يفكر في غزة بطريقة جديدة. إنه تبني لمرحلة انتقالية، لعقد سلام مشروط، ولأمل مشوب بالتحفّظ. لكنه أيضًا اختبار حقيقي للإرادة الدولية، لا سيما إذا ما كان تحويل هذه الرؤية إلى واقع يضمن استقلالًا فلسطينيًا حقيقيًا، وليس مجرد سلطة تابعة تحت مراقبة مجلس دولي.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يكون هذا القرار نقطة انطلاق نحو دولة فلسطينية مستقلة، أم أنه بداية لوصاية دولية طويلة الأمد؟ الطريق أمام غزة الآن ليس مفروشًا بالكامل، لكنه قد يكون، وربما للمرة الأولى منذ سنوات، ممهّدًا نحو مستقبل أقل قتامة.

إعادة إعمار غزة قد تبدأ فعليًا بدعم دولي موّجه عبر مجلس السلام، لكن تمويل ذلك يعتمد على التزام المانحين والشفافية في التوزيع.

تفكيك القوة العسكرية لحماس أو الجماعات المسلحة الأخرى قد يكون الهدف، لكن التطبيق العملي لن يكون سهلاً في بيئة لا تزال فيها المقاومة راسخة.

بناء مؤسسات فلسطينية تنفيذية تقنية قد يعزز قدرات الحكم المحلي، لكن غياب المشاركة الفعالة لحماس قد يضعف شرعية هذه المؤسسات أمام السكان.

Please follow and like us:
Pin Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

RSS
Follow by Email