في أجواء من الاحتفاء المهيب والبروتوكول الرفيع، سجل رئيس الوزراء شهباز شريف زيارته الأولى إلى البيت الأبيض، حيث التقى بالرئيس الأميركي دونالد ج. ترامب في المكتب البيضاوي، في لقاء حمل رمزية سياسية ودبلوماسية عميقة، وأعاد تأكيد موقع باكستان في الحسابات الإستراتيجية العالمية.

رغم التأخير الطفيف الناتج عن ارتباطات رئاسية سابقة، أتاح اللقاء فرصة للوقوف على أسلوب الزعيمين؛ بين الخطاب المهيب والصاخب لترامب والحضور الرشيق والمتزن لشهباز شريف، في مشهد يعكس التوازن بين القوة والرصانة. وقد جاء هذا الاجتماع بعد ست سنوات من اللقاء الأخير بين الرئيس ترامب والرئيس السابق عمران خان، ليؤكد استمرار دور باكستان كلاعب محوري في السياسة الدولية.
باكستان تعود إلى قلب الاستراتيجية الأميركية
استُقبل شهباز شريف في قاعدة أندروز بطائرته الرسمية على سجادة حمراء، وسط إجراءات أمنية مشددة، برفقة المشير سيد عاصم منير، قائد الجيش، فيما حضر من الجانب الأميركي نائب الرئيس ووزير الخارجية. وأظهرت الصور التفاعل الودي بين الزعيمين، حيث لم يغفل ترامب عن إشارة “الإبهام المرفوع” الشهيرة، لتصبح صورة اللقاء رمزًا للتعاون والاحترام المتبادل.
لم يقتصر الاجتماع على الطابع البروتوكولي، بل تناول قضايا جوهرية من التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، إلى دور باكستان في جهود السلام في الشرق الأوسط، واتفاق الدفاع مع السعودية، وحتى إمكانية مشاركة إسلام آباد في قوة حفظ السلام الأممية لغزة، مرورًا بالعلاقات مع الهند التي تبقى محورًا دائمًا في أي حوار استراتيجي. وعلى الصعيد الاقتصادي، تبلورت الاتفاقات في مذكرة تفاهم بقيمة 500 مليون دولار مع شركة المعادن الإستراتيجية الأميركية، إلى جانب شراكات في مجالات العملات الرقمية والتقنيات المالية، بما يعكس إرادة البلدين لتعزيز التعاون في المستقبل.
زيارة شهباز شريف الأولى للبيت الأبيض، وإن حملت الطابع الرسمي، جاءت محمّلة بالدلالات: رسالة واضحة بأن باكستان ما تزال شريكًا مهمًا وفاعلًا في السياسة الدولية، وأن شراكتها مع واشنطن قادرة على التجدد، بينما وجد ترامب في هذا اللقاء فرصة لإبراز نفسه كصانع صفقات وباحث عن الاستقرار في عالم مضطرب.
بعد هذا اللقاء، يتوجه رئيس الوزراء إلى نيويورك لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكّدًا أن باكستان حاضرة على الساحة الدولية، ولا تزال قادرة على صنع الفارق في السياسة العالمية.
إن هذه الزيارة تحمل رمزية إضافية تتجاوز مجرد اللقاء الرسمي، فهي تجسد عودة الحوار الاستراتيجي بين باكستان وأميركا إلى مساره الطبيعي، وتؤكد التزام البلدين بتعميق شراكتهما في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، لتظل باكستان شريكًا موثوقًا ومؤثرًا في صنع القرارات الإقليمية والدولية.
