
في أجواء إقليمية تتقاذفها رياح التوتر بين إسلام آباد وكابل، عادت باكستان لتقرع جرس الإنذار محذرة من خطر الجماعات الإرهابية المتمركزة في الأراضي الأفغانية، والتي ترى فيها تهديدًا مشتركًا للسلم والاستقرار الإقليميين. ففي الإحاطة الإعلامية الأخيرة، شدد المتحدث باسم الخارجية شفقات علي خان على أنّ ما تسميه بلاده «فتنة الخوارج» ليس مجرد عنوان إعلامي، بل توصيف لجماعة مسلحة – هي تحريك طالبان باكستان – طالما أثخنت الداخل الباكستاني جراحًا ووجدت في العمق الأفغاني ملاذًا آمنًا.. تصريحات خان جاءت ردًا على انتقادات صدرت عن وزير الدفاع بالوكالة في حكومة طالبان الملا يعقوب، الذي حمّل الأجهزة الأمنية الباكستانية مسؤولية ما يحدث داخل حدودها، في محاولة لنفي أي دور أفغاني. بيد أن باكستان، التي تراكمت لديها تقارير أممية تشير بوضوح إلى وجود ملاذات لمسلحي طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان داخل أفغانستان، ترى أن مثل هذه المواقف لا تعدو كونها «مفارقة ساخرة» تخفي خلفها تعنتًا أكثر من كونها تعالج أصل الأزمة.. الملفت في الموقف الباكستاني أنه يجمع بين العصا والجزرة: من جهة، تواصل قواتها شن عمليات دقيقة في المناطق الحدودية بدعوى حماية مواطنيها، مستندة إلى معلومات استخباراتية، ومن جهة أخرى تعلن تمسكها بالحوار واحترام سيادة أفغانستان، وكأنها تضع المعادلة بوضوح أمام طالبان: التعاون أو المواجهة.. أما في ملف اللاجئين، فإن الأزمة الإنسانية التي ولّدها الزلزال الأخير في أفغانستان لم تدفع إسلام آباد إلى تعليق خطتها لترحيل الأفغان المقيمين بصفة غير قانونية. وزارة الخارجية الباكستانية كانت صريحة: هذا قرار سيادي لا يخضع للمساومات، فيما ألقت الكرة في ملعب ألمانيا، مطالبة إياها بالإسراع في استيعاب أولئك الذين وعدت بنقلهم بعد سيطرة طالبان على الحكم. المفارقة هنا أن باكستان، رغم صرامة خطابها، تشير إلى «كرم» سياستها التأشيرية، بما تمنحه من تسهيلات في مجالات التعليم والتجارة والعلاج، محاولة أن توازن بين صورة الحزم وسياسة الانفتاح.. ولعل البعد الأهم في هذا المشهد يتجلى في القمة الأخيرة لمنظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين، التي وصفها المتحدث باسم الخارجية بالناجحة، مؤكدًا أن رسالتها كانت التعددية والازدهار المشترك. تجاهل خان انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن اعتباطًا، بل رسالة ضمنية بأن باكستان ترى في هذه المنظمة إطارًا للتعاون لا للمواجهة، وأنها تبحث عن فضاء أوسع من الثنائية الضيقة التي ظلت تحكم علاقاتها الدولية.. بهذا، تبدو باكستان وكأنها ترسم معالم سياستها في خطوط متوازية: مواجهة الإرهاب بيدٍ، والتلويح بأوراق الدبلوماسية المتعددة الأطراف باليد الأخرى، مع الإصرار على أن قضية اللاجئين شأن سيادي داخلي لا يقبل التدخل الخارجي. إنها معادلة معقدة، تتقاطع فيها المخاوف الأمنية مع الحسابات الإنسانية، وتختلط فيها السياسة الداخلية بتجاذبات الإقليم والعالم..
