سعيدالرحمن | مدير تحرير الحرية إسلام آباد
في عام 2020م، شهدت الساحة السياسية العربية والدولية تحوّلًا مفصليًا مع توقيع ما عُرف بـ الاتفاقيات الإبراهيمية، وهي سلسلة من الاتفاقيات التي أقيمت برعاية الولايات المتحدة الأمريكية بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وعدد من الدول العربية، بهدف تطبيع العلاقات بين الأطراف المتنازعة بعد عقود من الصراع والتوتر.
هذه الاتفاقيات، التي حملت اسم “إبراهيمي” في إشارة إلى النبي إبراهيم عليه السلام رمزًا للوحدة والرسالة المشتركة بين أتباع الديانات الإبراهيمية، أثارت جدلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض، وأشعلت النقاش حول مستقبل القضية الفلسطينية واستقرار المنطقة العربية.

أهداف الاتفاقيات الإبراهيمية:
تهدف هذه الاتفاقيات إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات العربية–الإسرائيلية عبر تطبيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية، وخلق فرص تعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والسياحة، وتسهيل الحركة بين الشعوب. كما جاء في الإعلان عن الاتفاقيات أنها تسعى إلى تحقيق استقرار إقليمي من خلال تحالفات استراتيجية، بالإضافة إلى تقديم وعود بضمان حقوق الفلسطينيين في المستقبل.
غير أن الواقع أثبت أن هذه الاتفاقيات ليست مجرد وثائق اقتصادية أو سياسية، بل ميدانًا صراعياً جديدًا بين القيم الوطنية والضغوط الدولية. ففي الوقت الذي ترى فيه الدول الموقعة هذه الاتفاقيات فرصة لتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية، تعتبر شعوب عربية وإسلامية أخرى أن التطبيع يمثل خيانة للقضية الفلسطينية وطيًّا لصفحة نضال طويل ضد الاحتلال.
ترى حركة المقاومة الإسلامية حماس أن “الاتفاقيات الإبراهيمية” ليست سوى مشروع لتطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي ومنحه مكاسب سياسية واقتصادية على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. فرغم ما تُغلف به هذه الاتفاقيات من شعارات السلام والتعايش، فإنها تتجاهل جوهر القضية الفلسطينية المتمثل في إنهاء الاحتلال، وعودة اللاجئين، وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة. وتعتبر الحركة أن إطلاق اسم النبي إبراهيم على هذه الاتفاقيات محاولة لمنحها بعدًا رمزيًا ودينيًا، بينما الهدف الحقيقي يكمن في تعزيز النفوذ الإسرائيلي، وتمهيد الطريق لمخططات “إسرائيل الكبرى”. وتحذر حماس من أن توسّع دائرة هذه الاتفاقيات، واحتمال انضمام دول عربية أخرى إليها، يمثّل تهديدًا إضافيًا للقضية، ويعزل فلسطين سياسيًا، ويضعف قدرتها على مواجهة الاحتلال.

وفي السياق ذاته، تؤكد الحركة أن القرار الأميركي الأخير المتعلق بغزة، والذي صادق عليه مجلس الأمن، لا يلبّي حقوق الفلسطينيين الأساسية، ولا يعكس حجم المأساة التي عاشها سكان القطاع خلال العامين الماضيين من حرب إبادة خلّفت دمارًا هائلًا ما تزال آثاره قائمة. وترى أن القرار يرمي إلى فرض وصاية دولية على غزة وعزلها عن باقي الجغرافيا الفلسطينية، في محاولة لتحقيق أهداف لم يستطع الاحتلال انتزاعها بالقوة، وهو ما ترفضه الحركة وكل القوى الوطنية والمقاومة رفضًا قاطعًا.
وتشدد حماس على أن المقاومة حقّ مشروع تكفله القوانين الدولية، وأن الحديث عن سلاح المقاومة لا يمكن أن يكون إلا في إطار وطني جامع مرتبط بمسار التحرر وإقامة الدولة. كما ترفض منح أي قوة دولية صلاحيات تمسّ المقاومة، مؤكدة أن دور أي قوة أممية يجب أن يقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار وتسهيل العمليات الإنسانية تحت إشراف الأمم المتحدة وبالتنسيق مع المؤسسات الفلسطينية، دون أي مشاركة للاحتلال في هذا المسار.
وتدعو الحركة إلى فتح المعابر فورًا وتسريع إدخال المساعدات عبر الأمم المتحدة، ولا سيما وكالة الأونروا، بعيدًا عن الضغوط السياسية والإجراءات المعقدة التي تفاقم الأزمة الإنسانية. وفي ختام موقفها، تطالب حماس المجتمع الدولي ومجلس الأمن باتخاذ قرارات عادلة تُنهي الحرب الإبادية، وتضمن إعادة إعمار غزة، وترفع الاحتلال، وتكفل للشعب الفلسطيني حقه الكامل في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

التداعيات والجدل المستمـر:
تمثل الاتفاقيات الإبراهيمية تحولًا دبلوماسيًا غير مسبوق، لكنها أيضًا أشعلت جدلاً حادًا في الشارع العربي والإسلامي، بين من يرى فيها فرصة للتقدم الاقتصادي والتقني، ومن يعتبرها انتهاكًا للحقوق الوطنية والأخلاقية. وفي هذا السياق، يظل السؤال الأكبر: هل يمكن لهذه الاتفاقيات أن تحقق استقرارًا حقيقيًا في المنطقة أم أنها ستزيد من الانقسامات وتغذي الصراعات المستقبلية؟ إن الاتفاقيات الإبراهيمية، بما تحمله من تطبيع ودبلوماسية، ليست مجرد وثائق سياسية، بل مرآة للانقسامات والتحديات التي تواجه العالم العربي والإسلامي اليوم. وبينما تتخذ بعض الدول خطوات جريئة نحو التعاون مع إسرائيل، تظل باكستان والسعودية وقطر بعض الدول أخرى تؤكد على الثوابت الوطنية والقضية الفلسطينية كخط أحمر لا يمكن تجاوزه. وفي النهاية، تبقى القضية الفلسطينية المعيار الأساسي الذي يقاس به أي تطبيع أو تحالف في المنطقة، بين مصالح استراتيجية وحتميات أخلاقية وسياسية.
