كلمـة التحريـر
ما تزال الأواصر السعودية الباكستانية تمثل الثابت الذي لا يتزعزع في معادلة الشرق، والعماد الذي تتكئ عليه آمال الأمة في الملمات؛ فهي علاقةٌ لم تصغها المواثيق الورقية بقدر ما صاغها الدم المشترك ووحدة المصير. واليوم، وبينما تهبُّ على المنطقة رياح التحول، نرى مشهداً كان بالأمس القريب ملبداً بغيوم التوتر، وهو ينجلي اليوم عن آفاقٍ يسودها الهدوء الحذر والآمال العريضة.
لقد مرت المنطقة بمرحلةٍ عصيبة، شهدت فيها دول الخليج العربي—من السعودية والإمارات والكويت، إلى قطر والبحرين وعمان والعراق—تحدياتٍ جسيمة جراء الاعتداءات الإيرانية التي نالت من أمن الجار واستقرار الدار. إلا أن حكمة الكبار، وتغليب لغة العقل على صليل السيوف، دفع بالأحداث نحو مرافئ الصلح، لتبدأ مرحلةٌ جديدة تتزامن مع الحوارات الجارية بين واشنطن وطهران، معلنةً أن الدبلوماسية هي الملاذ الأخير لحقن الدماء وحماية المنجزات.
إننا، ومن منطلق الحرص على أمن واستقرار بيتنا الكبير، نرحب بكل خطوةٍ تُعيد ترميم الجسور بين إيران وجيرانها العرب. فإيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ، قدرٌ لا مفر منه، والمصلحة المشتركة تقتضي أن تكون “جاراً شقيقاً” يحترم حرمة الحدود وسيادة الدول، لا “خنجراً” يهدد خاصرة الأشقاء.
إن الرسالة اليوم واضحةٌ وجلية: إن عودة العلاقات إلى مجاريها هي فرصةٌ تاريخية لإيران لتثبت حسن نواياها، ولتدرك أن لغة الصواريخ والتدخلات لا تبني مجداً، بل تبني جدران العزلة. إن جيرانك في الخليج—بثقلهم الاقتصادي والروحي—هم السند الحقيقي حين تضيق المسالك، والمطلوب الآن هو الكف التام عن مغامرات الماضي، وضمان عدم تكرار تلك التجاوزات التي أدمت قلب المنطقة.
ليكن هذا السلام ميثاقاً غليظاً، لا مجرد استراحة محارب؛ فالعالم يراقب، والشعوب تترقب، والشرق لا يحتمل مزيداً من الرماد. فهل ستغتنم طهران هذه اليد الممدودة بالسلام لتكون جزءاً من بناء غدٍ مشرق، أم سيعود التاريخ ليكرر فصوله المظلمة؟ الأمل يبقى معقوداً على نضج سياسي يعيد للأوطان هيبتها وللجيران طمأنينتهم.
