فلسطـين… بين أوهــام ”الســلام“ وحقائق العـدالــة

Spread the love

كلمة التحرير 

ليست فلسطين بندًا عابرًا في جدول السياسة الدولية، ولا ورقةً تفاوضية تُطوى مع تبدل الإدارات وتغيّر الشعارات؛ إنها قضية شعبٍ اقتلع من أرضه، وجرح أمةٍ ما زال ينزف منذ عقود. ومن هنا، فإن أي حديث عن مبادرات تحمل عنوان ”السلام“ يظل مرهونًا بمضمونه الحقيقي لا بشعاراته البراقة.


وفي هذا السياق، يثار الجدل حول ما عُرف بـ ”مجلس السلام“ الذي أُعلن عنه في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحت شعار إحلال الاستقرار في فلسطين. غير أن التجارب السابقة علمتنا أن السلام الذي يُبنى على اختلال ميزان العدالة، أو يُشترط فيه نزع سلاح المظلومين مع بقاء الاحتلال، ليس سوى إعادة صياغة للأزمة لا حلًّا لها. فالسلام الحقيقي لا يفرض من فوق، ولا ينتزع من شعبٍ تحت وطأة الاحتلال، بل يقوم على إنهاء أسباب الصراع وفي مقدمتها الاحتلال ذاته.


إن اشتراط تجريد المقاومة من أدواتها قبل ضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني يثير مخاوف عميقة من تكريس واقع غير عادل، يمنح شرعيةً للأمر الواقع بدل أن يمهد لطريق العدالة. ومهما تعددت المبادرات، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن لأي مشروع أن ينجح إذا تجاهل حق الفلسطينيين في أرضهم وكرامتهم وتقرير مصيرهم.


تقع على عاتق الدول الإسلامية مسؤولية تاريخية وأخلاقية في التعاطي مع أي مبادرة سياسية تخص فلسطين. فالقضية ليست ملفا تفاوضيًا تقنيًا، بل هي قضية احتلال وأرضٍ مغتصبة وشعبٍ مشرّد. ومن ثمّ، فإن أي تساهل أو قبول بحلول مجتزأة قد يُستغل لتثبيت أركان الاحتلال وإضعاف الموقف الفلسطيني. المطلوب موقفٌ موحد، واعٍ، يرفض الالتفاف على الحقوق الثابتة أو المساومة عليها تحت ضغط المعادلات الدولية.


ويأتي هذا النقاش في شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والتكافل، حيث تتجدد في القلوب معاني التضامن والإحساس بآلام الآخرين. وفي الوقت الذي تجتمع فيه العائلات على موائد الإفطار، هناك عائلات في غزة والضفة الغربية فقدت بيوتها وأعمالها وأحبتها. إن استحضار معاناتهم في هذا الشهر ليس ترفًا عاطفيًا، بل هو واجب ديني وإنساني.


الدعم الإغاثي، والمساندة السياسية، ورفع الصوت بالحق، والدعاء الصادق—كلها مسؤوليات تتكامل لتخفيف معاناة شعبٍ صامدٍ ما زال يتمسك بأرضه وهويته رغم كل التحديات. و إن السلام لا يتحقق بنزع قوة المظلوم، بل بإزالة أسباب ظلمه. وفلسطين ستظل قضية مركزية في ضمير الأمة، واختبارًا حقيقيًا لصدق مواقفها ووحدة كلمتها.

وفي النهاية، يبقى السؤال المطروح على المجتمع الدولي: هل يريد سلامًا عادلًا يعيد الحقوق إلى أصحابها، أم مجرد هدنةٍ تُجمّد الألم دون أن تعالجه؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن الثابت أن الشعوب لا تنسى حقوقها، وأن العدالة—مهما تأخرت—تظل الغاية التي لا يسقطها التقادم.

Please follow and like us:
Pin Share

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

RSS
Follow by Email