معجزة القيادة الباكستانية: كيف أعادت إسلام آباد رسم خارطة النفوذ العالمي؟

Spread the love

لم تكن العناوين التي تصدرت كبرى الصحف الهندية والدولية مجرد تغطية لحدث عابر، بل كانت اعترافاً قسرياً بتحول دراماتيكي في قدرات الدولة الباكستانية، حيث تساءلت “تايمز أوف إنديا” بذهول عن الكيفية التي استطاع بها الجنرال عاصم منير وفريقه استثمار التناقضات بين واشنطن وبكين وطهران لصناعة “معجزة” العودة الدبلوماسية لبلاد كانت لسنوات طويلة حبيسة صور نمطية سلبية ارتبطت بملفات شائكة، لتتحول فجأة إلى المستضيف الرسمي لأكبر مفاوضات سلام في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يعد انتصاراً معنوياً وسياسياً استثنائياً حين يأتي الإقرار به من قلب العاصمة الخصم “نيودلهي”.
إن هذا الاختراق الدبلوماسي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استراتيجية دقيقة وفهم عميق لسيكولوجية صناعة القرار في واشنطن، حيث كشفت تقارير “وال ستريت جورنال” و”واشنطن إجزامينر” عن شبكة معقدة من العلاقات التي نسجتها القيادة العسكرية الباكستانية مع الدائرة الضيقة للرئيس ترامب، مستخدمة قنوات خلفية واتفاقيات استراتيجية في قطاعات المعادن والطاقة، مما جعل إسلام آباد تمتلك مفاتيح التأثير في واشنطن، والقدرة على توظيف الثقة التاريخية التي توليها طهران لها، والمدعومة بظهير صيني قوي، وهو ما لخّصته الأوساط الأمريكية بعبارة بليغة مفادها أن الباكستانيين عرفوا جيداً “كيف تُلعب قواعد اللعبة مع ترامب”.
ويبرز حجم هذا الإنجاز في المقارنة التي عقدتها “آسيا تايمز”، مشيرة إلى أن باكستان لم تنجح منذ عقود في وضع نفسها في بؤرة التفكير الاستراتيجي الأمريكي بهذه الجرأة، حيث تمكنت من إثبات كونها “وسيطاً لا يمكن الاستغناء عنه” في أخطر جبهات النزاع الآسيوي، وهو ما هدم الرواية الهندية التقليدية التي حاولت تصوير باكستان كدولة فاشلة وهامشية، لتأتي اللحظة الحاسمة حين أعلن ترامب وقف إطلاق النار بعد مشاورات مباشرة اقتصرت على طرفين فقط: رئيس الوزراء الإسرائيلي والجنرال الباكستاني، مما وضع إسلام آباد في مرتبة استراتيجية مساوية للقوى الكبرى في إدارة أزمات غرب آسيا.
وفي الداخل الهندي، أحدث هذا النجاح الباكستاني انقساماً حاداً، فبينما حاول وزير الخارجية الهندي التقليل من شأن الدور الباكستاني بوصفه مجرد “تسلل للنزاعات”، ردت الأصوات العقلانية مثل شاشي ثارور والمحلل العسكري منوج تشانن بالتأكيد على أن ما حققته “راولبندي” هو “شاهكار” أو تحفة استراتيجية نابعة من خبرة تراكمية في الدبلوماسية الخلفية، محذرين من أن استمرار نيودلهي في سياسة الإنكار والغيرة السياسية لن يؤدي إلا لعزل الهند عن الحقائق الجديدة التي تفرضها “الواقعية السياسية” الباكستانية التي نجحت في جر القوى العظمى إلى طاولة المفاوضات.
ختاماً، يمكن القول إن باكستان حققت بضربة واحدة خمسة أهداف استراتيجية كبرى، حيث أمّنت تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، وحقنت دماء الملايين بتجنب صراع إقليمي مدمر، وناورت بذكاء لتجنب الانخراط العسكري المباشر في الدفاع عن أطراف إقليمية، بينما عززت في الوقت ذاته مكانتها كقوة نووية مسؤولة ووحيدة في هذا الحوار المعقد، وبالرغم من أن الطريق لا يزال طويلاً لتحسين “العلامة التجارية” لباكستان وجني ثمار هذا النجاح لصالح الشعب المنهك اقتصادياً، إلا أن ما حدث في إسلام آباد يظل فصلاً مشرقاً من فصول الحكمة السياسية التي أعادت للدولة هيبتها الدولية في وقت كان العالم ينتظر فيه الانفجار.

Please follow and like us:
Pin Share

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

RSS
Follow by Email