بقلم: الدكتور أبو لبيد المظفّر
كثيرًا ما تُقدَّم العربية في مؤسساتنا التعليمية على أنها وسيلة: وسيلة لفهم النص، أو جسرٌ مؤقّت إلى العلم، أو أداةٌ للعبور إلى تخصصٍ آخر. غير أن هذا الفهم – على شيوعه – يُفرغ العربية من رسالتها، ويُقصيها عن مقامها الطبيعي. فبمناسبة اليوم العالمي للغة العربية ١٨ ديسمبر من كل عام نقول: العربية، في حقيقتها، غايةٌ مقصودة قبل أن تكون وسيلةً مُستخدمة.
أولًا: العربية وعاءُ الوحي لا مجرّد لسان
اختار الله العربية لكتابه الخاتم، لا صدفةً ولا ترفًا، بل لأنها لغة قادرة على حمل المعنى، واستيعاب التشريع، وبناء التصوّر. فالاعتناء بالعربية هنا اعتناءٌ بالدين نفسه، وحفظها حفظٌ لفهم الوحي لا لألفاظه فقط.
ثانيًا: اللغة تصنع العقل
ليست اللغة أداة نقلٍ محايدة؛ إنها تُشكّل طريقة التفكير، وتبني منطق الاستدلال، وتؤثّر في الذوق والحكم. ومن يُربَّى على العربية، نحوًا وبيانًا وفكرًا، يُنشأ بعقلٍ مُنظَّم، ووجدانٍ متّزن، وقدرةٍ على التعبير الدقيق.
ثالثًا: من خدمة العلوم إلى صناعة الإنسان
حين تُختزل العربية في خدمة الفقه أو الحديث، تُظلَم. فالعربية ليست خادمةً للعلوم فقط، بل صانعةٌ للإنسان:
تصنع شخصيته، وتهذّب ذائقته، وتمنحه القدرة على البيان والإقناع والقيادة. ولهذا كانت العربية في عصور ازدهارها لغةَ دولةٍ وحضارة، لا لغةَ مسجدٍ ومدرسةٍ فحسب.
رابعًا: العربية هوية ورسالة
الأمم تُعرَف بألسنتها، وحين تتراجع اللغة تتراجع الهوية. والتمسّك بالعربية ليس انغلاقًا، بل ثباتٌ على الذات في عالمٍ متحوّل. إنها لغة جامعة، قادرة على أن تكون جسرًا بين الشعوب، إذا قُدِّمت بثقةٍ لا باعتذار.
خامسًا: العربية غاية… والوسائل في خدمتها
حين نُقرّر أن العربية غاية، تتغيّر السياسات التعليمية، وتُبنى المناهج، وتُدرَّب الكوادر، وتُصاغ البيئة، لتكون كل الوسائل في خدمة العربية، لا العكس. عندها فقط تنتقل من مادةٍ تُدرَّس إلى حياةٍ تُعاش.
خلاصة القول:
العربية ليست مرحلةً نتجاوزها، ولا سلّمًا نهبط عنه بعد الوصول. إنها غايةٌ مقصودة، لأنها لغة الوحي، ولسان الحضارة، وبوابة الإنسان إلى نفسه وتاريخه ومستقبله.
ومن أدرك العربية غايةً، أدرك أن خدمتها ليست ترفًا ثقافيًا، بل واجبٌ حضاري، به تُحفظ الرسالة، ويُصان العقل، وتُبنى الأمم.
