تقرير خاص
في مشهد دبلوماسي يعكس رسوخ العلاقات التاريخية بين باكستان ومملكة البحرين، وصل رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف إلى المنامة في زيارة رسمية استمرت يومي 26 و 27 نوفمبر 2025م، على رأس وفد رفيع يضم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السيناتور محمد إسحاق دار وعددًا من الوزراء الفيدراليين وكبار المسؤولين. وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية الباكستانية، تهدف الزيارة إلى تعميق التعاون الثنائي في ميادين التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة ضمن رؤية مشتركة لتوسيع الشراكة بين البلدين. ولدى وصوله إلى قصر القضيبية، استعرض شهباز شريف حرس الشرف في مراسم استقبال رسمية أكدت المكانة التي توليها البحرين للعلاقات مع إسلام آباد. وبعد ساعات من بدء الزيارة، كانت الملفات الاستراتيجية قد تصدّرت جدول المباحثات، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي والاستثماري وتوسيع آفاق الربط التجاري. وخلال لقائه بولي عهد البحرين الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، شدد رئيس الوزراء الباكستاني على إمكانية رفع حجم التجارة الثنائية من أكثر من 550 مليون دولار إلى مليار دولار خلال ثلاث سنوات، مستندًا إلى التقدم في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي، وإلى قرار المنامة الأخير بتخفيف متطلبات التأشيرات للباكستانيين. ودعا المستثمرين البحرينيين إلى استكشاف فرص واعدة في الأمن الغذائي، وتكنولوجيا المعلومات، والبناء، والمناجم والمعادن، والرعاية الصحية، والطاقة المتجددة، والسياحة، كما طرح مقترحًا لتعزيز الربط البحري بين ميناء كراتشي/جوادر وميناء خليفة بن سلمان.

وأشاد شهباز شريف بالدعم الذي تقدمه البحرين للجالية الباكستانية البالغ عددها أكثر من 150 ألف شخص، مؤكدًا استعداد باكستان لتوفير مزيد من العمالة الماهرة، ولتوسيع التعاون في التعليم العالي، والتدريب التقني، والحوكمة الرقمية ضمن مبادرة جامعة الملك حمد. وشهد اللقاء توافقًا ملحوظًا في ملفات الدفاع والأمن، إذ اتفق الجانبان على توسيع التعاون في التدريب العسكري، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، وتبادل المعلومات.

كما تناولت المباحثات التطورات في قطاع غزة، حيث أكد الجانبان أن إحلال السلام والاستقرار مطلب طال انتظاره لشعب غزة، وتوافقا على دعم المساعي الإنسانية والسياسية الهادفة إلى وقف معاناة المدنيين. وفي البعد الدولي، هنأ شهباز شريف البحرين على انتخابها عضوًا غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2026–2027، معلنًا استعداد باكستان للتنسيق الوثيق معها خلال عضويتها. وتأتي زيارة شهباز شريف في توقيت دقيق يتقاطع فيه التحول الاقتصادي الباكستاني مع مساعي البحرين لتوسيع شراكاتها الإقليمية في مجالات الاقتصاد الرقمي والطاقة الجديدة. وتشير طبيعة الملفات المطروحة إلى رغبة البلدين في الانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية تتسع لمجالات الأمن البحري، والاقتصاد الأزرق، والخدمات الرقمية، والاقتصاد المعرفي.

كما تؤكد الزيارة أن باكستان تسعى إلى تعزيز حضورها في الخليج عبر بوابة البحرين، فيما ترى المنامة في إسلام آباد شريكًا محوريًا قادرًا على دعم أمن الملاحة في البحر العربي والخليج، وتوفير الكفاءات المهنية، وفتح مسارات تعاون أعمق في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المالية.
وتكشف الأجواء التي أحاطت بالزيارة عن تقارب سياسي يتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة، ليعكس رؤية مشتركة لمستقبل إقليمي أكثر استقرارًا، وتوجّهًا نحو بناء شبكة علاقات متينة تستجيب لتحديات المنطقة وتطلعات شعوبها.
ومع اختتام الزيارة، بدا واضحًا أن البحرين وباكستان تلتقيان عند مفترق جديد من التعاون، يُرجّح أن يتحول خلال الأشهر المقبلة إلى اتفاقات عملية تعزز الشراكة في الاقتصاد والدفاع والأمن والتكنولوجيا.
وتمثل هذه الزيارة رسالة مفادها أن الروابط بين البلدين ليست عابرة، بل هي جسر متجدد يمتد فوق مياه الخليج ليصل مستقبل البلدين بتطلعاتهما المشتركة، ويؤسس لمرحلة أكثر اتساعًا من التعاون والتكامل
